فخر الدين الرازي

11

شرح الفخر الرازى على الاشارات

دونه لأنه العدد الأول ولا تكون الكثرة بهذا المعنى من مقولة لكم بل من مقولة المضاف فإذا عرفت ذلك فنقول أما الكثرة الحقيقية فلا شك أن الواحد يكون فيها موجود الان الكثرة لا معنى لها الا مجموع الواحدات فإن لم تكن الوحدة حاصلة استحال أن تكون حاصلة مع غيرها وحينئذ لم تكن الوحدات المجتمعة حاصلة فلم تكن الكثرة حاصلة فثبت أن كل كثرة فان الواحد يجب أن يكون موجودا فيها ولكن لا يجب أن يكون المتناهى موجودا فيها لأنه ان أريد بالمتناهى المتناهى في المقدار لم يجب أن يوجد في كل كثرة متناه في المقدار فان العدد كما يعرض للأشياء ذوات المقادير فقد يعرض أيضا للأشياء المجردة عن المقادير وان أريد بالمتناهى المتناهى في العدد لم يجب أيضا أن يكون في كل كثرة عدد متناه لان الاثنين كثرة مع أنه لم يوجد فيه عدد أصلا بل الاثنان عدد لكن ليس في الاثنين عدد فان الشيء لا يوجد في نفسه فإذا ظهر ذلك فنقول النهاية من عوارض الكم فإذا ثبت انه لا يجب أن يكون في كل كثرة متناه في الكم المتصل أو متناه في الكم المنفصل ثبت انه لا يجب أن يحصل في كل كثرة شيء متناه فإذا كان الأولى بالشيخ أن يقتصر على قوله كل كثرة فان الواحد فيها موجود بالفعل وليس لأحد أن يجيب عنه بأنه وان لم يجب في كل كثرة أن يكون العدد المتناهى موجودا فيه ولكن ذلك واجب هاهنا لان من قال الجسم مركب من أجزاء لا نهاية لها فلا بد وأن يعترف بوجود الاعداد المتناهية فيه لأنا نقول هذا الكلام انما يستقيم لو قيل كل كثرة غير متناهية فان الكثرة المتناهية فيها موجودة لكن الشيخ لم يقتصر على ذلك بل زعم أن كل كثرة سواء كانت متناهية أو غير متناهية فان المتناهى موجود فيها فثبت أنا لو حملنا الكثرة على الكثرة الحقيقية التي هي الكم المنفصل لكانت المواحدة لازمة وأما إذا حملناها على الكثرة الإضافية اندفعت المواحدة لان المواحدة انما كانت بالزام الاثنين وليس هو بكثرة إضافية وأما قوله وإذا كان كل متناة يوجد منها مؤلفا من أجزاء ليس لها حجم فوق حجم الواحد لم يكن تأليفها مفيدا للمقدار بل عسى العدد فاعلم أنه لما بين أن الجسم لو كان متألفا من أجزاء غير متناهية لكانت الاجزاء المتناهية موجودة فيه فبعد ذلك بين أن حجم مجموع لاعداد المتناهية منها يجب أن يكون أزيد من حجم الجزء الواحد منها والا لم يكن تأليفها مفيد الحصول المقدار فإنه إذا لم يزد مقدار الاثنين على مقدار الواحد لم يزد مقدار الثلاثة أيضا على مقدار الواحد وانما قال بل عسى العدد ولم يقل بل العدد لان مقدار المجموع إذا كان مساويا لمقدار الواحد فإنه يظن أنه وان كان لا يفيد زيادة المقدار لكنه يفيد زيادة العدد وفي التحقيق أيضا ليس كذلك لان تلك الأجزاء إذا كان مقدار مجموعها مساويا لمقدار الجزء الواحد منها كانت بأسرها حاصلة في الجزء الواحد ولو كان كذلك استحال أن يختص واحد منها بأمر لا يوحد في الآخر لان تلك الأجزاء متساوية في الحجمية فيستحيل أن يقع الامتياز بنفس الحجمية أو بشيء من لوازمها ويستحيل أن يقع الامتياز بشيء من عوارض الحجمية أو معروضاتها لأنها إذا كانت متداخلة ولا شيء يفرض عارضا أو معروضا لواحد منها الا ونسبته إلى ذلك الواحد كنسبته إلى غيره فيجب أن يكون عارضا لذلك الغير أو معروضا له وإذا كان كذلك استحال وقوع الامتياز بين تلك الافراد في أمر من الأمور فيرتفع التعدد عنها أيضا ويصير الكل شيأ واحدا فثبت أن الاجزاء المتداخلة كما لا يحصل منها زيادة المقدار لا يحصل منها زيادة العدد الا أن الشيخ لما لم يكن به حاجة إلى هذا البيان في هذا الموضع لا جرم لم يجزم بالنفي ولا بالاثبات بل ذكرانه عسى أن يتوهم متوهم كون تأليفها سببا لزيادة العدد وأما قوله وان كان لكثرة متناهية منها حجم فاعلم أنه لما أبطل أن لا يكون مقدار المجموع أزيد من مقدار الواحد ثبت أن حجم المجموع فوق حجم الواحد فحينئذ قد حصل جسم مؤلف من أجزاء متناهية وقد كان يمكنه أن يقتصر على هذا المقدار في ابطال قول من قال كل جسم فهو مؤلف من أجزاء غير متناهية الا أنه إذا أراد أن يبين في كل جسم متناهي المقدار انه ليس مؤلفا من أجزاء غير متناهية فلا جرم لم يقنع بذلك بل احتج بتناهى أجزاء ذلك على تناهى سائر الأجسام المتناهية في المقدار وذلك بان بين أن ذلك الجسم المتألف من الاجزاء المتناهية يمكن الإضافات بينها وبين غيرها في جميع الجهات وانما اعتبر ذلك لأنه أراد أن ينسب مقدار هذا الجسم إلى مقادير سائر الأجسام والمقادير انما تكون متناسبة إذا كانت من نوع واحد فالخط لا يمكن أن ينسب إلى السطح بأنه ثلثه أو ربعه أو غير ذلك من النسب وكذا السطح لا يمكن أن ينسب إلى الجسم لان الذي يكون ثلثا للشيء أو ربعا له هو الذي يكون بحيث لو ضمت أمثاله اليه لصار مثلا لذلك الشيء والجسم لا يحصل البتة من اجتماع السطوح ولا السطح لا يحصل من اجتماع الخطوط والخط لا يحصل من انضمام النقط بالدليل الذي مضى في ابطال الجزء الذي لا يتجزأ في الفصل الاوّل فإذا عرفت